الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

173

تفسير روح البيان

نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ اى من احدى القريتين مكة والطائف كالوليد بن المغيرة المخزومي وعروة بن مسعود الثقفي وقيل غيرهما وفي التأويلات هو اعلم بمن جعل منهم مظهر صفة لطفه ومن جعل منهم مظهر صفة قهره في السماوات كالملائكة وإبليس والأرض كالمؤمنين والكافرين وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ قال البيضاوي وتبعه أبو السعود اى بالفضائل النفسانية والتبري من العلائق الجسمانية لا بكثرة الأموال والاتباع حتى داود فإنه شرفه بما أوحى اليه من الكتاب لا بما اوتى من الملك انتهى يقول الفقير هذا صريح في انهم متفاضلون في معنى التبري من العلائق الجسمانية وهو خطأ فان تفاضلهم في ذلك انما هو على من عداهم من افراد الأمة لا على إخوانهم الأنبياء وتحقيقه انه ليس فيهم العلائق الروحانية لمنافاتها الوصول إلى اللّه تعالى والاخذ من عالم القدس ولذا قالوا باب العلم باللّه لا ينفتح وفي القلب لمحة للعالم باسره الملك والملكوت واما العلائق الجسمانية كالملك وكثرة الأزواج والأولاد ونحو ذلك فهي وعدمها سواء بالنسبة إليهم فعيسى ويحيى عليهما السلام مع ماهما عليه من الزهد والتجرد لا فضيلة لهما في ذلك على داود وسليمان عليهما السلام مع ماهما عليه من الملك وكثرة الأزواج واسناد العلاقة إليهم ولو صورة ليس من الأدب فالوجه ان التفضيل انما هو بالكتاب والرسالة والخلة والتكليم والمعراج والرؤية والشفاعة ونحو ذلك كما قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ الآية والقرآن يفسر بعضه بعضا قال حضرة الشيخ الأكبر قدس سره الأطهر فضل سليمان عليه السلام بالظهور بمجموع الملك وعيسى بالكلام في المهد والتأييد بروح القدس واحياء الموتى وخلق الطين طيرا بالاذن ونحو ذلك وموسى بالتكليم واليد والعصا وفرق البحر وانفجار الحجر ونحوها وفضل صالح بخروج ناقة من الحجر ونحوها وهود بالريح العقيم وإبراهيم بالنجاة من النار ونحو ذلك ويوسف بالجمال وتأويل الرؤيا ولما تفاضل استعدادهم لتمام التجلي من حيث النبوة تفاضلوا أيضا فإنه ليس في الوجود الا متغذ مرزوق وقد فضل اللّه بعض المرزوقين على بعض والرزق حسى للجسوم وعقلي للأرواح كالعلوم فاما من حيث ولايتهم الذاتية واستنادهم إلى اللّه تعالى فهم نفس واحدة فلا فاضل ولا مفضول ولذا قال عليه السلام ( لا تفضلوني بين الأنبياء ) وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً تفضيلا له كان زبور داود مائة وخمسين سورة ليس فيها حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود بل تمجيد وتحميد ودعاء نكر زبورا هنا وعرفه في الأنبياء حيث قال وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ لأنهما واحد كعباس والعباس وفي التأويلات النجمية قوله وَلَقَدْ فَضَّلْنا الآية يشير إلى أن الحكمة الأزلية اقتضت ارتفاع درجات المقبولين واتضاع دركات المردودين فإنهما مظاهر صفة اللطف والقهر ولكل واحد من اللطف والقهر نصيب منه حكمة بالغة في اظهار كمالات اللطف والقهر من الأزل إلى الأبد وفضلنا الأنبياء بعضهم على بعض بارتفاع المكان في القربة وقبول از نظر العناية على حسب سرايته في الأمة وخيريتها ألا ترى انه عليه السلام لما كان أفضل الأنبياء كانت أمته خير الأمم وكتابه أفضل الكتب ففي قوله وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً إشارة إلى أن فضل النبي صلى اللّه عليه وسلم